يومية سياسية عربية مستقلة تصدر عن الشركة الاردنية للصحافة والنشر
المدير العام
سيف محمود الشريف
رئيس التحرير المسؤول
محمد حسن التل
العدد رقم 15162 الخميس 17 شعبان 1431هـ الموافق 29 تموز 2010 م
.
فن وثقافة
Bookmark and Share
بيرم التونسي في كتاب جديد : لاحقته أجهزة الأمن وارتبط اسمه بكبار المطربين

 

 
د. إبراهيم خليل

وقع بمحض الصدفة ، بين يدي كتابّ طريف لافتّ للنظر بعنوان مذكراتي للشاعر الغنائي بيرم التونسي الذي شنف آذان الملايين بكلماته العاطفية الرقيقة التي كتبها لكبار مطربي مصر في الجيل الماضي ، من أمثال: سيد درويش ، وأم كلثوم ، وغيرهما ممن تربعوا على عرش الغناء العربي في عصر ما قبل الفيديو - كلب الذي أساء كثيرًا للفن ، وأساء أكثر للأذواق ، وللموسيقى.

ومنْ يقرأ هذه الأوراق ، يكتشفْ أن محمود بيرم التونسي ، الذي اعتادت الإذاعات اختصار اسمه بـ(بيرم التونسي) لم يكن ، مثلما يقال من باب السخرية ، والتهكم(مغنواتي)حسب ، وإنما كان مثقفاً ملتزماً لاقى الكثير من المعاناة بسبب مواقفه السياسية ، ورفضه طبائع الاستبداد ، سواءّ تلك التي كانت سائدة في بلاده تونس إبان الاستعمار الفرنسي ، أو في مصر زمن فؤاد الأول ، وابنه فاروق ، أو زمن الإنجليز في مصر ، أو حتى في الجزائر التي قاوم شعبُها سياسة التجنيس.

ولد التونسي سنة 1893 في الإسكندرية في حي معروف هو حيّ الأنفوشي ، والتونسي لقب لصق به وبأفراد أسرته لكوْنهم من تونس أصلا ، وهاجروا إلى الإسكندرية ، وأقاموا فيها فكان أهلُ الحي يصفون الفرد منهم بالتونسي ، فلحق بهم هذا اللقب كعادة الغريب حين يقيم في غير مدينته يلقبه الناس لقبًا ينسبه إلى بلده الأصلي.

على أنّ بيرم لم يكتف بالإقامة في الإسكندرية ، فكان دائم التردد على القاهرة ، التي أنشأ فيها سنة 1919 - وهي السنة التي شهدت ثورة عارمة ضد الإنجليز صوَّر كثيرًا من مشاهدها نجيب محفوظ في ثلاثيته ، وتوفيق الحكيم في "عودة الروح" - أقول: أنشأ صحيفة"الشباب" ، ولكنه قبض عليه بتهمة التحريض ، والمشاركة في الثورة ، فنُفي إلى تونس. ومنها نفاه الفرنسيون إلى مرسيليا على الساحل الفرنسي الجنوبي. ثم انتقل بعدها إلى باريس. وبقي يتنقـّلُ في مدن فرنسا: تارة في ليون ، وتارة في غرونوبل ، وتارة في باريس ، إلى نهاية العام 1932عندما عاد إلى تونس وأعاد نشر صحيفة الشباب. ولكن الفرنسيين ما لبثوا أنْ أقصوه إلى الإسكندرية ثانية بتهمة التحريض. وقد شمله العفو الذي صدر عندما تولى الملك فاروق الحكم بعد وفاة أبيه وحظي بمزيد من راحة البال إلى أن توفي سنة ,1961

والحق أن مذكرات بيرم التونسي هذه ، ويومياته ، تعاورها الناشرون من قبل ، فصدرت غير مرة. وكانت بعض طبعاتها ولا سيَّما الأولى قد ظهرت عام 1961 عن الشركة التونسية للنشر والتوزيع ، فكانت ناقصة ، ومشوّهة ، ولم ترتب فصولها على وفق التواريخ التي كتبت فيها ، مما جعلها تبدو في نظر فوزي الزمرلي - محقق الطبعة الجديدة - نسخة غير مطابقة للأصل. وممّا يدعو للغرابة أن الناشر نفسه أعاد طبع هذه المذكرات بعد إحدى عشرة سنة مُكرًّرًا الخطأ الذي ارتكبه في الطبعة الأولى. وقد درجَ على ذلك مرارًا. ولم تكن الطبعة الأخيرة التي صدرت عن المكتبة العصرية في صيدا وبيروت مبرّأةً ذلك النقص. فقد غاب عن هذا الناشر أنه كرر الأخطاء التي ظهرت في طبعة الشركة التونسية مما كشف عن سطوه عليها ، على الرغم من الادعاء بأن طبعته تلك هي الطبعة الأولى ، وهذا دأب الناشرين العرب إلا باستثناءات قليلة ونادرة.

لهذا كله جاء نهوض د.فوزي الزمرلي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة تونس(منوبة)لإعادة النظر في هذه المذكرات ، واستكمال ما فيها من نقص ، وتبويبها التبويب والترتيب الذي تقتضيه طبيعة المادة والمحتوى ، لتبدو في حلة جديدة ، ونسق متماسك ، يوطئ له المحقـّق بمقدمة يروي فيها حكاية هذه المذكرات.

كانت ولادة هذه المذكرات في مرسيليا ، التي زارها بيرم منفيّاً ، وذهل بما شاهده فيها من مظاهر الحياة اليومية التي تصنف الناس إلى شريحتين ، إحداهما تتمتع بالكثير من الامتيازات ، والأخرى تكاد تتضورجوعًا ، وهو بطبيعة الحال من الشريحة الثانية. وفي تلك الأثناء كتب رسائل ، ومقالات ، وخواطرعن مرسيليا لجريدة الزمان ، بتونس ، وقد جمعها المُحقـّق ، لتمثل وحدة في النسق ، سماها مذكرات مرسيليا ، تلتها وحدة أخرى هي مذكرات باريس.

وكان بيرم التونسي قد نشر جزءاً من مذكراته في جريدة الشباب ، يقع في تسع حلقات ، ثم أضاف إليها حلقتين في صحيفة(السَّرْدوك) وجلُّ هذه الحلقات نُشرت في تونس للمرة الأولى. وقد جمعها المُحقـّقُ مرتبة وفقا لتاريخ نشْرها ، وتضمَّنتها السيرة - المذكرات تحت مسمى:"مذكرات المنفى". وهي المذكرات التي استهلها التونسي ببيتين من شعره كتبهما على صورة له يقول فيهما ما يأتي:

لما وجدت حيــاتنا في هذه الدنـيا قصيرة

أبقيت فيها صـورتي فالمرء في دنياه صورة

وتذكـًّرُنا هذه الكلمات بمن كتب على قبره "هنا يرقد جثمان من كتب اسمه على الماء". وهي تعني - فيما تعنيه - أن الشاعر الغنائي الرقيق كان يعاني الكثير حتى لقد هيمن عليه الإحساس بأن الحياة لا تعدو أن تكون ومضة عابرة في عمْر الكوْن. تلك المذكرات استهلها التونسي بالحديث عن يوم ولادته وهو 23 آذار(مارس)1893 واصفا أباه وعمه ، ومصنع الحرير البدائي الذي امتلكاه في حي الميدان ، ذاكرًا سبب هجرة جدّه مصطفى من تونس واتخاذه الإسكندرية دار إقامة ، وموطناً له ، وللأسرة. ويذكر لنا اسم الكتـّابً الذي تعلم فيه مبادئ القراءة ، والأعمال التي مارسها قبل أن يتجه للصحافة والتأليف ، وما تعرض له بسبب مواقفه السياسية والقومية من مطاردة ونفي.

ويروي ما يَعْجبُ له القارئ ، ويدهش ، من مواقف بعض الزعماء السياسيين من أمثال: سعد زغلول ، ومصطفى النحاس ، والملك فاروق.

والنوادر التي ذكرها في هذا السياق تكاد لا يُعْثر عليها في غير هذه المذكرات ، ولا في أي مرجع آخر. فقد ذكر أن الملك فاروق حين نُقل إليه أن بيرم هجا أباه ، قال معلقا: ولكنّ سياستي تختلف عن سياسة أبي. فهو لا يكترث بهجو أبيه إذا كان لبيرم أن يقول شيئا في امتداحه هو. ويذكر أنه عندما كان في باريس التقى سعد زغلول ، وهو في طريقه إلى لندن لمفاوضات المعاهدة البريطانية - المصرية ، فرجاه أنْ يسمح بعودته إلى مصر ، وكانت له قصائد كثيرة في مدح سعد زغلول ، الذي ينظر إليه باعتباره بطلا قوميا ، فأفهمه زغلول أنه معجب به وبشعره ، وسيتوسط له عند الإنجليز لإعادته إلى مصر. وبدلا من ذلك وشى به ، فعندما عاد وجد الإنجليز يتربصون به ، وقد علموا بعودته. أما مصطفى النحاس ، فقد استقبله في السفارة المصرية بباريس ، ووعده بإعادته إلى مصر ، طالبًا منه أن يعود لمقابلته في اليوم التالي في مبنى السفارة ، ليجد الشرطة السرية الفرنسية تنتظره ، وتقبض عليه بتهمة التخطيط لاغتيال النحاس.

وعلى أيّ حال ، ليست هذه المذكرات عملا سياسيّاً ، بل هي يوميات ، يذكر فيها المرحوم بيرم التونسي بعض ما كان له من شأن مع الموسيقي سيد درويش ، الذي كتب له ما يعرف باسم الأوبيريت غير مرّة. وقد حققا معًا الكثير من النجاح الفني ، وحولا الموسيقى العربية من موسيقى باكية ، مملـّة ، إلى موسيقى تبعث الإحساس بالنخوة ، والنشوة ، والفرح. ونوَّه لعلاقاته بممثلين ، وموسيقيين ، ومطربين آخرين ، امتدّ بهم العمر إلى زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، الذي قرّرَ بنفسه إعادة بثّ مسلسل إذاعي للتونسي كان قد أوقفه بعض المَسْئولين.

وإذا كان لا بدّ من كلمة "حق" تقال في هذه المذكرات ، وتقييمها ، والثناء عليها ، فإنّ منْ يجب أن تزجى له ، وتوجه إليه هو د. فوزي الزمرلي ، الذي قام بنفسه بتنقيح هذه المذكرات ، وجمعها ، وتبويبها ، وإخراجها في كتاب أنيق ، تتصدره صورة لبيرم التونسي ، وهو في ميعة الصبا ، وذروة الشباب ، فله منا - نحنُ القراء - جزيل الشكر ، وعظيم التقدير ، والعرفان ، ولدار الجنوب بتونس مثل ما للمحقـّق من الشكر والتقدير والعرفان.

Date : 17-11-2009


أضف تعليق     طباعة الخبر ارسال للصديق
 
 

الاسم:  
عنوان التعليق :  
التعليق :  
 
 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية | - | محليات ومحافظات | - | دولي وعربي | - | اقتصاد | - | قضايا وآراء | - | فن وثقافة | - | رياضة | - | دروب | - | الوفيات | - | رسائل الى المحرر | - | عن الدستور | - | نتائج التوجيهي 2010
© Ad-Dustour Newspaper 2007 | e-mail: dustour@addustour.com.jo | Developed by Ad-Dustour Newspaper Internet team

يمنع النقل أو الاقتباس من أخبار الدستور الخاصة الابموافقة مسبقة من الصحيفة
اما فيما يتعلق بالمقالات فلا مانع من اعادة النشر شريطة الإشارة الى المصدر ( جريدة الدستور )